بَعيدًا عنِ الدِّين
تتردّد عبارة «بعيدًا عن الدين» في النقاشات الفكرية والعلمية والأخلاقية بوصفها مفتاحًا سحريًا لاستمرار الحديث كشرطٍ ضمنيٍّ يُعلَّق عليه الحوار، وكأن الدين عائقٌ لا بُد من إزاحته حتى تمضي الفكرة في طريقها.
بَيد أنها تُقال أحيانًا بحسن نية وبدافع الرغبة في الفهم من زاوية أخرى، وأحيانًا تكونُ لتبرير فعلٍ أو موقف أو هربًا من حسمٍ لا يرغب صاحبه في مواجهته.
أكتب هذا الكلام مِن موضع التجربة فلستُ هُنا لأعِظ أو أتعالى، فقد كنتُ يومًا ممّن ردّدوا هذه العبارة ودافعوا عنها، حتى أنّي رأيتُ فيها سِعة أفقٍ واتساعًا عقليًا... قبل أن أقف طويلًا أمامهت لأفهم لماذا بدت منطقية في مرحلة ما، ولماذا انكشفت هشاشتها لاحقًا!
أتابع شخصًا على إحدى المنصّات ذاتِ المُحتوى القصير المُشتِّت، أستمع إليه كما يُستمع إلى بودكاست فكري طويل، لا إلى مقاطع عابرة. يعجبني تحليله للكتب، واهتمامه بالتفاصيل، واختلافه عن السائِد ممّا يقطَع المقاطِع القصيرة على تلكَ المِنصّة بأحد فيديوهاتِه الطويلة... واختلافي معه في بعض الطروحات لم يكن يومًا خصومَة؛ لأن الاختلاف شرط التفكير الحيّ لا نقيضه. بل إنني حتى حين لا أوافقه أحرِص على إتمام الاستماع، لأن الفكرة لا تُفهم مبتورة.
إحدى جمله كانت: «بعيدًا عن الدين». استوقفتني لأنها خرجت بمُبرّر كنتُ أستعمل منطقه ذاته في وقتٍ سابق من حياتي. كنت أتساءَل كثيرًا: لماذا لا أناقش مسألة علمية بحتة بعيدًا عن الدين؟ أنا أعلم أنها خطأ وربما محرّمة، لكنني أريد معرفتها من باب المعرفة فقط وليسَ إيمانًا بها، بل فهمًا لها. أليست المعرفة قيّمة في ذاتها؟ فلماذا لا أدرس نظرية التطور، أو الانفجار العظيم، أو غيرها من الطروحات، ما دمت لا أتبنّاها؟
ولَم أذكُر هذه الأمثلة إلّا لأنها معروفة فقط، غيرَ أنّ الأمر كان أعمق من ذلك، ولم يكُن يقتصِر على العِلم والسؤال... بل في أحيانٍ أخرى على الفِعل والتّجربة.
هذا التصوّر في جوهره يفترِض أن المعرفة يمكن أن تكون بِلا إطار وأن العَقل صفحة بيضاء لا تَترك الأفكار فيها أثرًا.
وهو افتراض غير بريء؛ فالمعرفة ليست كتلًا صمّاء تُخزَّن في الذهن، إنها رُؤى تتسلّل إلى وعيِنا وأسئِلة تعيد تشكيل المسلّمات، مفاهيم تُغيّر زاوِية النظر إلى الإنسان والكون والمَعنى.
ثم إن كثيرًا من هذه النظريات لم تُنتج في فراغٍ محايد، بل نشأت داخل سياقات فلسفية أرادت تقديم تفسير بديل عن الوَحي، لا مجرّد نموذج علمي قابل للأخذ والرد. لم يكن الأمر دائمًا «كيف يعمل الكون؟» بل كثيرًا ما كان «هل نحتاج إلى الإله لتفسيره؟» وحين تُحمَّل النظرية بهذا الثقل الفلسفي، يصبح التعامل معها على أنها معرفة تقنية 'بريئة' نوعًا من السذاجة الفكرية.
كنت أبرّر لنفسي، كما برّر صاحِب المقطع، بأن رفض عبارة «بعيدًا عن الدين» دليل تحجّر، وأن العقلانية تقتضي النظر من جميع الزوايا، وأن إغلاقَ النقاش بحجّة التحريم مصادرة للفكر. على الرّغم من كونِ هذا التصوّر بعد التأمّل لبضعِة أيّام، يظلِم الدّين والعقل معًا.
فالدين في حقيقته أتى ليضبِط مسار العَقل ويُقوّمه، لا ليُعطّله... ولم يحرّم شيئًا نفعه خالصٌ راجِح وإنما حرّم ما كان ضرره أعمق من نفعه أو ما كان نفعه موهومًا يجرّ وراءَه فسادًا أكبر.
وقد قرّر القرآن هذا الميزان بوضوح حين قال الله تعالىٰ في سورَة البَقرة: ﴿يَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلۡخَمۡرِ وَٱلۡمَیۡسِرِۖ قُلۡ فِیهِمَاۤ إِثۡمࣱ كَبِیرࣱ وَمَنَـٰفِعُ لِلنَّاسِ وَإِثۡمُهُمَاۤ أَكۡبَرُ مِن نَّفۡعِهِمَا﴾. لم يُنكَر وجود المنفعة، بل قُدّم معيار الحكم بلغة التّرجيح والتعقّل.
ومن هنا يتبدّى الخلل الجوهري في عبارة «بعيدًا عن الدين» فحين يكون لدينا ميزانٌ للحكم ثم نختار أن نضعه جانبًا لأن حضوره سيُنهي نقاشًا نرغب في إطالته رغمَ وعيِنا وعلمنا به، فإننا لا نبحث عن الحقيقة بل نمارس نوعًا من المِراء.
والمراء، كما عُرِّف في اللغة، هو الجدل غير المفيد، الذي لا يُراد به الوصول إلى الحق بل مجرّد الاستمرار في الخصومَة الذهنية وإبقاء الأسئلة معلّقة ولو كانت الإجابة حاضِرة... وهو جدَل يُستهلك فيه العقل ولا يُثمر، ويُشبع فيه الفضول ولا يُهذِّب.
وقد لامس القرآن هذا المعنى بوضوح حين قال تعالىٰ في سورة آل عِمران: ﴿أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِینَ أُوتُوا۟ نَصِیبࣰا مِّنَ ٱلۡكِتَـٰبِ یُدۡعَوۡنَ إِلَىٰ كِتَـٰبِ ٱللَّهِ لِیَحۡكُمَ بَیۡنَهُمۡ ثُمَّ یَتَوَلَّىٰ فَرِیقࣱ مِّنۡهُمۡ وَهُم مُّعۡرِضُونَ﴾ إلى قوله: ﴿وَغَرَّهُمۡ فِی دِینِهِم مَّا كَانُوا۟ یَفۡتَرُونَ﴾. ليس الإشكالُ في عدم وجود مرجِعية، بل في الإعراض عنها حين تُستدعى للحكم.
فالدين في هذا السياق ليس رأيًا من جملة الآراءِ ولا خيارًا يُستأنس به إذا وافق الهوى، الدينُ هو أصلٌ يُحتكم إليه وإقصاؤه من نقاشٍ حُسم حكمه، لا يفتح باب الفهم، بل بابُ التيه.
وحتى على مُستوى التعريفات التي جاءت من خارج السّياق الديني، نجد أن فكرة «الحدود» كانت دائمًا جوهَر التمييز بين العقل الراشد والعقل التائه... فيُنسب إلى آينشتاين قوله:
The difference between stupidity and genius is that genius has its limits.
والعبارة على وجازتها شديدة القسوة في معناها؛ فهي لا تمجّد العبقرية بقدر ما تفضح الغباء. فالمسألة ليست في امتلاك القدرة على التفكير، بل في معرفة أين يجب أن يتوقّف هذا التفكير.
إن إدراك الحدود هو شرطُ نجاة العَقل؛ لأن العقل الذي لا يعرف متى يتوقّف، لا يتقدّم... يبقى يدور حول نفسه حتى يُنهَك.
وقرأتُ في موضعٍ ما تعريفًا للغباء لا يقلّ وضوحًا ولا فجاجَة:
Definition of Stupid: Knowing the truth, seeing the truth, but still believing the lies.
فالغباء هنا تمرّد على المعرفة وإنكارٌ متعمَّد لها، وليس فقدانًا للرؤية أو جهلًا بها.
ومن هذا المُنطلَق، إذا كانت عبارة «بعيدًا عن الدين» تُرفع بوصفها طريقًا إلى الذكاء، فإنها في كثير من الأحيان لا تكون إلا قفزًا واعيًا خارج دائرة الحقيقة ورميًا للنفس في مستنقعٍ يُمحى فيه الفارق بين من يبحثُ عن الفهم ومن يُصرّ على تصديق الوهم وهو يراه عاريًا أمامه.
فالذكاء في إدراكِ الحدودِ لا تجاوُزها، ولم تكُن المُشكِلة في السؤالِ بحدّ ذاتِه أبدًا، لكنّها في الإلحاحِ على السّؤال بعد أن جاء الجواب.
أكتب هذا المقال لأنني كنتُ مِمّن قالوا «بعيدًا عن الدين» بصدقٍ لا رياء فيه وبحسن نية لا مكابرة فيها، ولم أكن أرى التناقض الكامن في العبارة... وبَعدما كنتُ أرى فيها سِعة للمعرِفة فإذ بي أراها فراغًا لا طائِل منه.
الفِكرة في الخِتام أن ليسَ كل نقاش محمودًا ولا كُل سؤال دليلًا على الوعي، فأحيانًا يكون التوقّف عينَ العقل، والتّسليم بعد الفهم قمّة الاتزان.
والدين، بعيدًا عن الصورة المشوّهة التي تُرسم له، ليس عدوّ المعرفة بل حارسُها وسياجها حين تنفلت.

